السيد عبد الله الجزائري
132
التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية
إذا كان معه جماعة من الغرقى فالأولى به ان لا يعرفه أحد منهم فإنهم يتعلقون به فيضعف عنهم فيهلك معهم واما القوى فالأولى ان يعرفه الغرقى ليتعلقوا به فينجيهم ويثاب عليهم وربما يجب عليه ان يعرفهم نفسه ويدعوهم إلى التعلق به انقاذا لهم من الهلكة وعلى هذا تحمل ما بلغك من حال بعض الأكابر في تعرفهم إلى الخلق وعرض أنفسهم على السلاطين والولاة وقبول الولايات أو طلبها وحينئذ فالمطلوب بالحقيقة ليس هو الجاه بل ما يترتب عليه من الفوائد الدينية كالاقتدار على إقامة شعائر الحق والحسبة وإرشاد المسترشدين وقضاء الحوائج وعموم النفع وانما المذموم حبه لغير ما ذكر اما لنفسه أو للمقاصد الدنيوية أو للضعفاء الذين ليسوا من أهل الفوائد الدينية الا ان ههنا موضع غرور قد أشرنا إلى نظيره فيما سلف وهو ان من الضعفاء من يشتبه عليهم حال أنفسهم فيعتقدون بأنفسهم القدرة ويظنون أنهم من الأقوياء الذين من شأنهم إنقاذ الهلكى فيهلكون وأيضا إذا انفتح باب الرخصة ربما يتخذ ذلك علة ويتسع الخرق فمن ثم ورد ما ورد في ذم الجاه والنهى عنه مطلقا من غير تقييد قال اللَّه تعالى تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً . وفي الحديث ( الكافي ) ملعون من ترائس ملعون من هم بها ملعون من حدث بها نفسه وأصله انتشار الصيت وهو قريب من كلام أهل اللغة انه القدر والمنزلة مقلوب وجه وحقيقته ملك القلوب وهو أحد شطرى الدنيا والآخر المال وحقيقته ملك الأعيان فإن الموصل إلى المقاصد بأسرها من نيل الشهوات ودفع الآفات منحصر فيها ومن ثم يتهالك عليها توصلا إليها وربما يفضى الأمر إلى إهمال معنى التوصل والتهالك عليها لنفسهما لتعلق القلب بهما بالذات من غير أن يقصد ورائهما غرض ولا غاية وذلك كما أن الرجل قد يحب حليلته من حيث إنه يدفع بها فضله الشهوة كما يدفع ببيت الماء فضلة الطعام ولو كفى مؤنة الشهوة لكان يهجرها كما يهجر بيت الماء لو كفى قضاء الحاجة وربما يحبها محبة العشاق بحيث لو كفى الشهوة لبقي مستصحبا لها أيضا لشغفه بها لنفسها لا لأجل شيء آخر والشطر الأعظم فإنه أشهى من المال لوجوه أما أولا ف لان تحصيل الغرض فيما يطلب لأجله به أيسر فان المميل لا يحصل به غرضه الا ببذله فهو وان كان مستكملا بحصول الغرض الا انه منتقص بذهاب المال بخلاف الوجيه فإنه مستكمل بتحصيل الغرض من غير انتقاص وأيضا التوصل بالجاه إلى المال لو كان هو الغرض أيسر من التوصل بالمال إلى الجاه فالعالم أو الزاهد الذي تقرر له جاه